الشيخ الطبرسي

107

تفسير جوامع الجامع

على أنَّه عَطْفُ بَيان لَهَا ، وأرادَ بقيامِهِم : إمَّا القِيامُ عن مَجْلِس رسولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتَفَرُّقُهُم عَنْهُ ، وإمَّا القِيَامُ الَّذي لا يُرادُ بهِ المثُولُ علَى القَدَمَيْنِ ولكن الانتِصَابُ في الأَمْرِ والنُّهُوضِ فيهِ بالهِمَّةِ ، والمعنى : إنَّما أَعِظُكُم بِواحِدَة إنْ فَعَلْتُمُوهَا أَصَبْتُم الحقَّ ، وهي أَن تقُومُوا لِوجْهِ اللهِ خَالصَاً اثْنينِ اثْنينِ وواحِدَاً واحِدَاً ( ثُمّ تَتَفَكَّرُواْ ) في أَمْرِ محمَّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومَا جَاءَ بِهِ بِعَدْل وإنْصَاف من غَيرِ عَناد ومُكَابَرة . وأَرادَ بقَولِهِ : ( مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّة ) أنَّ هذا الأَمْرَ العَظِيمَ الَّذي تَحتَهُ مُلْكُ الدُّنيا والآخرةِ جَميعاً لا يَتَصَدَّى لادِّعَاءِ مِثْلِهِ إلاَّ أَحَدُ رَجُلَيْنِ : إمَّا مَجنُونٌ لا يُبالي بافتِضَاحِهِ إذا طُولِبَ بالبُرهانِ فَعَجَزَ ، وإمَّا عَاقِلٌ كَامِلٌ مُرشَّحٌ للنبوَّةِ مُؤَيَّدٌ من عند اللهِ بالآياتِ والحُجَجِ ، وقَد عَلِمْتُم أنَّ محمداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما بِهِ من جنُون ، بَلْ عَلِمْتُمُوهُ أَرجَحَ النَّاسِ عَقْلاً ، وأَصْدَقَهُم قَولاً ، وأَجْمَعَهُم للمَحَامِد . وَ ( مَا ) للنَّفْيِ ، ويكونُ استئنافَ كَلام تَنْبِيهَاً من اللهِ على طَريقَةِ النَظَر في أَمْرِ رسولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ويجوزُ أَن يكُونَ المعنى : ( ثُمّ تَتَفَكَّرُوا ) فَتَعلَمُوا مَا بصَاحِبِكُم من جِنَّة . ويَجوزُ أَن يكُونَ ( مَا ) استفهاميَّةً بمعنى : أيُّ شَيء بِهِ من جِنَّة ؟ وهَلْ رَأَيتُم من مَنْشَئِه إلى مَبْعَثِهِ وَصْمَةً فيهِ تُنافي النُّبُّوةَ ؟ ( إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ ) أي : مُخَوِّفٌ ( بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيد ) يَوم القيامةِ . ( مَا سَأَلْتُكُمْ ) تَقديرُهُ : أَيُّ شيء سَأَلْتُكُم ( مِنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ ) وفيهِ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُما : نَفْي مَسأَلةِ الأَجْرِ رَأْسَاً كَمَا يقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحبِهِ : إنْ أَعْطَيْتَني شَيئاً فَخُذْهُ ، وهو يَعلَمُ أنَّهُ لَمْ يَعْطِهِ شَيئاً ، والمُرادُ : لا أَسْأَلُكُم على تَبليغِ الرِّسالةِ شَيئاً مِنْ عَرضِ الدُّنيا فَتَتَّهِمُوني ، والآخرُ : أَن يُريدَ بالأَجْرِ ما يُريدُهُ في قَولِهِ : ( قلْ مَا أسْئَلُكمْ عَلَيْهِ مِن أَجْر إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ) ( 1 ) وفي قَولِهِ : ( قُلْ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ

--> ( 1 ) الفرقان : 57 .